آخــر المواضـيع
التــاريخ
بواسطـة
الإثنين 15 مايو 2017, 17:01
السبت 14 مايو 2016, 09:19
الإثنين 11 أبريل 2016, 11:28
الإثنين 11 أبريل 2016, 11:18
الإثنين 29 فبراير 2016, 21:55
الإثنين 29 فبراير 2016, 21:50
الأحد 28 فبراير 2016, 13:24
الأربعاء 03 فبراير 2016, 10:31
الأربعاء 03 فبراير 2016, 10:13
الأحد 24 يناير 2016, 12:33
الخميس 24 ديسمبر 2015, 07:28
الثلاثاء 15 ديسمبر 2015, 21:46
منتدى جزائري تم انشائه سنة 2008، متنوع في محتواه يعمل على كل ما هو مفيد للمتصفح العربي

شاطر | .
 

 شخصيات من أولاد سيدي إبراهيم : الحاج الشيخ بن الفضيل اجعيط ...عمــل استخباراتيّ شجــاع في ألمـــانيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طاهري إبراهيم
مشرف
مشرف
avatar

ذكر
المشاركات : 1748
العمر : 44
العمل/الترفيه : موظف/الكتابة والشعر
المزاج : هادئ ومتأمّل
الإقامة : أولاد سيدي ابراهيم
نقاط التميز : 518
الأوسمة الذهبية : 0
نقاط أعجبني : 1572
تاريخ التسجيل : 12/11/2012

مُساهمةموضوع: شخصيات من أولاد سيدي إبراهيم : الحاج الشيخ بن الفضيل اجعيط ...عمــل استخباراتيّ شجــاع في ألمـــانيا   الإثنين 11 أبريل 2016, 11:18

شخصيات من أولاد سيدي إبراهيم : الحاج الشيخ بن الفضيل اجعيط
عمــل استخباراتيّ شجــاع في ألمـــانيا


بقلــم الأستــاذ : إبراهيـــم طاهـــــري

نبذة قصيرة عن الرجل :

هو الحاج الشيخ بن الفضيل بن التومي اجعيط وابن السيّدة قمير بنت عبد الله حفيظي ، ولد بالدّيس - أولاد سيدي إبراهيم في 04 ماي 1934م ، توفّي والده مبكّرا وتركه طفلا صغيرا ، حفظ ما تيسّر من القرآن الكريم على يد المعلّم الراحل سي عبد الرحمن –أبّيدة- بن عبد الرحمن ، والتحق بمدرسة الذكور بالدّيس حيث زاول تعليمه باللغة الفرنسية وأتقنها على يد السيّد محمّد بن البوطي (والد طبيب الأسنان المعروف الدكتور أحمد بن البوطي) ، ثمّ ارتحل مع العائلة إلى مدينة عين الحجل في 1946م حيث مكث حوالي 04 سنوات واصل فيها الدراسة بالمدرسة الفرنسية على يد السيّد Prudent ، هذا الأخير الذي أُعجِبَ بنباهته وذكائه ونوى تبنّيه واصطحابه إلى فرنسا لمواصلة تعليمه هناك ، إلاّ أنّ والدته رفضت ذلك وعادت به مع أخيه وأخته إلى الدّيس ، وهناك اضطرّه الفقر واليُتم لترك الدراسة والعمل لكسب لقمة العيش ، فكان يقطع مع أخيه المرحوم الحاج ﭭـوشاش المسافات الطويلة صُعودًا إلى جبل سالاّت الوعر لجمع الحطب وبيعه في البلدة.


السفر إلى فرنسا والتجنيد الإجباري

ولمّا بلغ سنّ الثامنة عشر من عمره ، وهي السنّ التي تسمح له بالسفر خارج البلاد ، قرّر أن يسافر إلى فرنسا للعمل فكان ذلك عام 1952م ، أين اشتغل بمصنع للقماش في مدينة رينيه Rennes رفقة مجموعة من أبناء بلدته من أمثال سي عبد الله – شنّيط- بلحاج وسي بلقاسم بن دحمان بن عبد الرحمن ...
وكباقي أبناء جهته وأبناء الجزائر: كان الحاج الشيخ مهتمّا بشؤون بلده وواعيا بواجباته تجاه وطنه ، فسارع إلى الإنخراط في صفوف الحركة الوطنيّة مناضلا ملتزما في صفوف حزب الشعب الجزائري ، حيث التقى بأب الحركة الوطنيّة الراحل مصالي الحاج وحضر كثيرا من تجمعاته وخطاباته ، وبقي وفيّا لمبادئ الحزب السامية إلى غاية منتصف سنة 1955م (21 جوان) ، أين تمّ استدعاؤه رسميّا لأداء الخدمة العسكرية وقبل هذا كان قد أجرى الفحص الأوليّ بمدينة سانت إتيان Seint Etienne وتمّ قبوله في شهر ديسمبر 1954م ، لكنّه حاول التهرّب من التجنيد الإجباريّ فانتقل إلى مدينة ليون Lyon أين اشتغل بمصنع إيطاليّ لصباغة الأواني المنزلية مع السيّد عبد القادر كحيوش من مدينة بوسعادة لمدّة شهر ونصف ، حيث كانا يبيتان في فندق من الفنادق الصغيرة ... لكنّ الإستدعاء النهائي سرعان ما وصله إلى الفندق (أوت 1955م) وتمّ نقله إلى ثكنة عسكريّة بالضواحي ، حيث سُلِّمَ لباسه العسكريّ رفقة 07 جنود جزائريين وعُيّن رئيسا لفرقته بسبب إتقانه للغة الفرنسية ، وفي الليل سُلِّمت لهم استدعاءات كُتِبَ عليها TOA ولمّا سأل الحاج الشيخ عنها قيل له أنها اختصار لجملة ( Territoires Occupés Allemands : الأراضي الألمانية المحتلّة) ، حينها عرف الجميع أنّهم متوجّهون إلى ألمانيا الغربية.


الوصول إلى ألمانيا ... وموعد تاريخيّ غير متوقّع :

استقلّ الحاج الشيخ ورفاقه قطار الساعة الثانية صباحًا نحو مدينة كوبلونس Coblence قرب مدينة بون Bonn ، وهناك التحق الجميع بالثكنة التي كانت تُعَدّ أكبر ثكنة فرنسية في ألمانيا الغربية ، وعند مدخلها سمع سي الشيخ صوت الموسيقار فريد الأطرش يصدح من إحدى النوافذ فاستأنس لذلك قليلا ! .. وكان في استقبالهم رقيب أوّل Sergent Chef من مدينة سطيف ، كان رجلا حازما وصعب المراس أشرف على تدريبهم 03 أشهر ، وبعد امتحانٍ في اللغة الفرنسية وإثباتٍ لحسن السيرة تمّ ترقية سي الشيخ إلى رتبة عريف Caporal ، بعد ذلك اقترحه النقيب Capitaine الذي كان مطّلعًا على ملفّه كي يكون السائق الخاص لعقيد الثكنة Colonel ، وبدأ عمله كسائقٍ خاصّ للرجل الأوّل في الثكنة حيث كان ينقله يوميّا من سكنه بالضواحي إلى الثكنة ومنها إلى بيته ، واستغلّ مرافقته اليومية للعقيد للإستفادة من عطلة مدّتها يومٌ ونصف في كلّ أسبوع (يوم الأحد ونهار الإثنين) للتجوال في مدينة بون الجميلة والوقوف على ضفاف نهر الراين Rhein ، وكان رفيقٌ جزائريٌّ له من الشرق يُدعَى محمّــد قد ترجاه في الإستفادة من هذه المزيّة ، فكان له ذلك وأصبح الإثنان يخرجان سويّة كلّ أسبوع.
وذات مرّة والصديقان جالسان معًا على ضفاف نهر الراين ، مرّت بهما سيّاراتٌ متتابعة تحمل ترقيما عربيا (من مصر وسوريا والعراق وغيرها) ، وتملّك سي الشيخ الفضول فقرّر أن يتبع السيارات سيرا على الأقدام ، وسار الإثنان بخطى سريعة حتى وصلا إلى مطعم مخصّص للطلبة العرب ، فدخلا وطلبا مشروبين .. ولم يمض وقت طويل حتى تقرّب منهما شابّ وسيم كلّمهما باللغة العربية ، لكنّ سي الشيخ ظلّ صامتا وأومأ لصديقه بالردّ فكلّم الشابَّ باللغة الألمانية التي كان يتقنها ، فقال الشابّ وهو يبتسم : " إذا لم تخطئ فراستي فأنتما عربيّان .. من أيّ البلاد أنتما ؟ " .. لكنّ الرّجل ظلّ يكلّمه بالألمانية ، وهنالك أخرج الشابّ وثيقة تعريفه فإذا به لاجئ سياسيّ من الجزائر يدعى عبد القادر ، ثمّ أضاف : " أنا طالب جزائريّ كنت أدرس بمصر ، ولمّا أنهيت دراستي وأردت العودة إلى الجزائر عبر تونس ألقت سلطات الإحتلال الفرنسي القبض عليّ وأودعتني السجن ، ومنها نُقِلتُ إلى سجن مدينة فران Fresnes المشهور بفرنسا ، ثمّ طُرِدتُ إلى ألمانيا الغربية " ... وبعد أن اطمأنّ الجميع أعرب سي الشيخ للمدعو عبد القادر عن هويّته وهويّة صديقه ووظيفتهما ، وإذا بالمتواجدين بالمطعم يهبّون إليهما سائلين إيّاهما عن أخبار الجزائر وثورتها بحماس واهتمام شديدين ... وبينما الجميع في نقاش وحديث ، دخل من باب المطعم رجل أسمر طويل وأنيق وسلّم على عبد القادر والباقين ، وهنالك سأل عنه سي الشيخ فأخبره عبد القادر أنّ الرّجل عراقيّ ثريّ يمتلك بواخرا في مدينة هامبورغ Hambourg وأنّ من بينها باخرةٌ تعمل على خطّ هامبورغ – القاهرة ، ففكّر سي الشيخ في محادثته لمساعدته .. فقد كان في نيّته الهروب مع رفاق آخرين من ألمانيا إلى مصر والعودة من هناك إلى الجزائر ، وبعد لحظاتٍ اقترب الرجل الطويل من عبد القادر وضيفيه وألحّ في دعوتهما لتناول القهوة في غرفته الخاصة القريبة من المطعم لمّا علم أنهما مجنّدان جزائريّان ، وترافق الجميع إلى وجهتهم .. لكنّ سي الشيخ فوجئ أنّ الغرفة المقصودة لصيقة بمبنى السفارة المصرية في بون ، يقول سي الشيخ راويًا الموقف : " كانت الغرفة صغيرة بها أربعة كَرَاسٍ وطاولة ، جلسنا أربعتنا : أنا ورفيقي محمّد وعبد القادر والرجل الطويل ، وراح الرجل يسألنا عن الجزائر والثورة بلهجة مصريّة صارخة ، كما كان مطّلعا بشكل جيّد على ما يدور في الساحة العربية والعالمية ، وكانت تصرّفات الرجل وكلامه ونظراته الحادّة مريبة جدّا ، ولم أصدّق أنّه رجل أعمال عراقيّ ولا أنّه طالب من الطلبة ، ثمّ قدّم لنا زجاجة خمر وكؤوسا فقلتُ له : ' أنا لا أشرب الخمر فهو حرام ' ، فردّ عليّ باسمًا : ' للأسف ، مهنتنا تحتّم علينا الشرب' .. فازداد شكّي بعد هذه الجملة .. وتجوّلت بنظري في الغرفة فوقع على طرد بريدي موضوعٍ جانبًا ، فإذا بالمرسل من مدينة السويس – مصر ، وانتبه الرجل فقال لي : افتحه وانظر ما فيه .. ففتحته فإذا بداخله خبز مصريّ وبيض مسلوق ، فقال الرجل وهو يضحك : فيها عيش وبيض بلدي ، ثمّ أضاف وهو يصافحني : أنا الملحق العسكري المكلّف بالمخابرات لدى سفارة جمهورية مصر العربية .. مرحبا بكم في بيتكم وبين إخوتكم ، ثمّ افترقنا ".
بعد أيّام وبينما سي الشيخ ورفيقه يتجوّلان كعادتهما في شوارع بون، توقّفت قربهما سيارة فاخرة وكلّمهما منها الملحق العسكريّ طالبا أن يركبا معه ، وبينما كان الجميع يستقلون السيارة أخبرهما الملحق أنّهما مدعوّان من طرف شخصيّة مرموقة بالسفارة المصريّة ، وتملّك سي الشيخ الإرتباك وألحّ على معرفة هذه الشخصيّة فأخبرهما الملحق أنّ السفير المصريّ بنفسه ينتظرهما في مكتبه ، فلم يصدّق الرجلان هذا .. لكنّ الوقت لم يطل حتى سار معهما الملحق في أروقة السفارة إلى مكتب السفير ، يقول الحاج الشيخ : " طرق الملحق الباب ودخلنا فنهض السفير من مقعده واستقبلنا بالأحضان وهو يمدح الجزائريين قائلا : ' والله لو أنّ عندنا مليون جزائريّ لحاربنا العالم بأسره '.. وبعد حديث مطوّل عن الثورة وبطولات الجزائريّين ، والعلاقة القويّة التي تربط الشعبين المصري والجزائريّ ، وكذا تكالب القوى الإستعمارية على البلدين الشقيقين ، استأذنتُ أنا وصاحبي في الإنصراف لكنّ السفير انفرد بي وسلّمني رُزَمًا من المطبوعات والمجلاّت ، وطالبني بصراحة أن ألقي بها داخل الثكنة الفرنسية .. وكانت المجلاّت سياسيّةً صادرةً باللّغة العربيّة ، أمّا المطبوعات فكانت مناشيرًا مكتوبةً باللغتين الألمانية والفرنسيّة تُدِين جرائم العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م (بريطانيا – فرنسا – إسرائيل) وتهدّد المعتدين بالإنتقام .. فارتبكتُ ولم أدرِ ما أصنع وخشيتُ من وشاية صديقي في حال علمه بالأمر .. وأمسكت المطبوعات ودسستها داخل معطفي .. وانصرفنا عائدين إلى الثكنة دون أن أفاتح صديقي بأيّ شيء ".


تنفيذ العمليّة داخل الثكنة الفرنسيّة بألمانيا :

عاد الرفيقان إلى الثكنة ، ولمّا اقتربا من بابها تعمّد سي الشيخ التخلّف وطالب صديقه بالدخول أوّلا فيما توجّه هو إلى الغابة القريبة ودفن المطبوعات قرب شجرة بعد أن وضعها في كيس بلاستيكي ، ثمّ دخل من الباب بشكل عاديّ .. وبعد أن استتبّ له الوضع خرج من الثكنة عبر السور الخارجيّ وعاد جالبًا المناشير والمجلات.
وفي نفس الليلة قرّر سي الشيخ - بعد تفكير وتقدير- أن يبدأ إجراءاته الأولى في تكوين (الخليّة السرّية) التي ستقوم بالعمل المطلوب ، فاختار إلى جانب رفيقه محمّد - الذي شرح له الأمر حينها - خمسةً (05) من الجنود الجزائريين البسطاء الذين كانوا تحت إمرته وتوسّم فيهم الوفاء والمطاوعة وهم : جنديّان من مدينة سطيف منهما المُلَقّب ﭭـرﭭـور ، وجنديّان من مدينة البويرة منهما المُلَقّب لبصير وأصوله من بلدة عين الملح – المسيلة ، وجنديّ من مدينة تلمسان اسمه ﭭـرّيش أحمد.
وكتمويهٍ واحتياطٍ أمنيّ دعا سي الشيخ المجموعة للعب الأوراق في غرفته ليلا ، وهنالك أخبرهم بالمطلوب منهم وأوهمهم بأنّه قد دفع أسماءهم إلى (الجهة السريّة المسلّحة) التي طالبته بالقيام بالعمليّة ، وأنّ أيّ كشف أو اعتراف سيعرّض صاحبه للموت ، ثمّ سلّمهم المجلاّت التي تلقّفوها بشغف كبير وقسّم عليهم المناشير لإلقائها داخل الثكنة وفي محيطها ابتداء من الساعة الواحدة صباحا من نفس الليلة ، كما أوصاهم بالسريّة والتكتّم وأن يجتنبوا التجمّعات ولقاء بعضهم في الأيام الموالية.
قامت المجموعة بإلقاء المنشورات في زوايا الثكنة الفرنسية في دقائق معدودة .. ومنها منشورٌ ألقاه سي الشيخ في مكتب العقيد نفسه !! ... يقول الحاج الشيخ : " لم أنم ليلتي تلك من شدّة القلق ، وكنت أنتظر أن يقتحم عليّ الجنود غرفتي في أيّة لحظة ، وتملّكني خوف شديد من مصير الموت المحتوم الذي سألقاه في حال كشف خيوط العمليّة ... وفي الصباح الباكر رنّ جرس الطوارئ في الثكنة ، فخرج الجنود إلى الساحة وهرع سكرتير العقيد إلى غرفتي وهو يقول مرتجفا : ' حضرة العريف اجعيط ، لقد دخل الفلاّﭭــة إلى الثكنة البارحة ' .. وكنت أفهم مغزى هذه الكلمات واتهام أفراد جيش التحرير بهذا العمل كونهم تبنّوا محاولة اغتيال عسكريّ فرنسي بالقرب من ثكنتنا في أيام سابقة ، فارتديتُ بذلتي بسرعة وتوجّهت إلى بيت العقيد لأقلّه إلى الثكنة ، ولمّا وصلتُ إليه أخبرته بما فعله الفلاّﭭــة فامتقع وجهه وسألني عن المنشورات وقصّتها ، فأخبرته أنني لا أعرف عنها شيئا سوى ما أخبرني به السكرتير ثمّ توجّه مسرعا نحو مكتبه ..
وفي الثكنة استدعاني العقيد مع سكرتيره وضابط المداومة الليلية ووبّخنا بشدّة ، وصبّ جام غضبه على الضابط المسؤول عن الحراسة وكيفيّة السماح لأمر خطير كهذا بالحدوث في واحدة من كبريات الثكنات الفرنسية بألمانيا ، ثمّ طلب مني العقيد التقرّب من الجنود ومحاولة الحصول على معلومات حول القضية ، فامتنعتُ وتحجّجتُ بأنّ أحدًا لن يثق بي كوني السائق الشخصيّ للعقيد فاقتنع وسكت عنّي وطالَبَنَا بالتكتّم عن الخبر.
وتصادف في ذلك اليوم وجودُ عمّالٍ ألمانيين لصيانة أنظمة التدفئة بالثكنة ، فالتقط أحدهم مجموعة من المناشير وسرّبها إلى الصحافة ، وفي مساء ذات اليوم صدر خبرٌ بالبنط العريض على الصفحة الأولى في صحيفة يومية معروفة يتناول اختراق (تنظيم جبهة التحرير الوطني الجزائرية للثكنة الفرنسيّة بألمانيا) ، وقرأ العقيد الخبر فهاج وماج وتكدّر مزاجه .. وبسبب هاته (الفضيحة) تمّ نقله إلى ثكنة صغيرة ونائية وانتقلنا نحن معه أيضا فيما بعد.
كما قرأ السفير المصريّ الخبر واستقبلنا بعد أيّامٍ استقبال الأبطال وهو يقول: ' تبارك ما أنجبت الجزائريات ' ، وأطلعنا على الصحيفة ومحتوى الخبر المنشور الذي خلّد بطولتنا وعملنا الفدائيّ والإستخباراتي العظيم -على حدّ وصفه – والذي كان مصير صاحبه الموت المحتّم ".


مواصلة العمل الوطني داخل الثكنة .. ونهاية الخدمة :

بعد هذه العمليّة تمّ تحويل العقيد رفقة معظم طاقمه (ومنهم الحاج الشيخ ورفاقه) إلى ثكنة صغيرة على بعد حوالي 400 كم من الأولى بمنطقة تسمّى "ننشتات" غير بعيد عن الحدود مع فرنسا ، وهناك استمرّت الخليّة التي كوّنها سي الشيخ بالإجتماع في الغابة ، وكانت مواضيع الإجتماعات تدور حول الشأن السياسي وتطوّر مسار الثورة المسلّحة بالجزائر ، وذلك من خلال المجلات والجرائد التي كانت تصلهم بطرق سرّية وكذا من خلال ما تتناوله المحطات الإذاعية ، وكان الهدف من خلال هذه الإجتماعات هو التعبئة والتوعية المستمرّة والربط العاطفي المتجدّد للمُجَنّدين الجزائريّين ببلدهم وثورة شعبهم ، وفي الغابة تمّ تصميم الراية الوطنيّة على لوحة خشبية وتلوينها من طرف سي الشيخ وكانت تقدّم لها التحيّة الوطنيّة في كلّ اجتماع كما التقط الرفاق صورا تذكارية هناك ، لتبقى شاهدةً على وفاء هؤلاء الرجال لبلدهم رغم بُعدِهِم عنه.
قبل أن ينهي الحاج الشيخ خدمته العسكرية التي تجاوزت العامين ، استدعاه العقيد وأخبره بأنّه قد ترقّى إلى رتبة (ضبّاط الصف) طالبا منه البقاء معه موظّفا متعاقدا ، يقول الحاج الشيخ : " لمّا طلب مني العقيد البقاء رفضتُ بشدّة ، وأخبرته أنّه عليّ العودة من أجل أمّي التي تنتظرني ولم ترني منذ سنوات ، فابتسم العقيد وقال لي : ' في الحقيقة .. أنت لا تريد العودة من أجل أمّك .. ربّما تريد العودة كي تكون عقيدًا لدى زمرة الفلاّﭭــة! ' ، فقلت له : ' حضرة العقيد ، بماذا ستفيدني الترقية وأنا بعيد عن وطني وأهلي ؟ .. سيّدي العقيد أنا في بلدي وبين أهلي ومع والدتي وأسرتي سأكون أكثر من عقيد .. سأكون أعلى رتبة منك !!' ، فضحك العقيد وقال لي أنّ كلامه مجرّد مزاح ..".
بعد أن أنهى الحاج الشيخ خدمته العسكرية في نهاية سنة 1957م ، ورغم إلحاح المقرّبين عليه من أصدقائه للبقاء في فرنسا ، إلاّ أنّه توجّه من ألمانيا نحو مدينة مرسيليا الفرنسية Marseille ، ومنها عاد إلى الجزائر مباشرة عبر البحر جالبًا معه كثيرا من المُجَنَّدين الجزائريين الذين كانوا ينوون مواصلة حياتهم المهنية في صفوف الجيش الفرنسي ، بعد أن بذل مجهودا معتبرا لإقناعهم بالعودة إلى الوطن.


خاتمـــــــة :

إنّ العمل الشجاع الذي قام به الحاج الشيخ اجعيط وهو في مقتبل الشباب (21 سنة) ، في بلدٍ غير بلده وغير البلد الذي هاجر إليه ، هذا العمل وإن رآه البعض بسيطا .. إلاّ أنّ ما أخذه من بُعدٍ إعلاميّ إيجابيّ : وهو تحقيق نصر معنويّ ثمين للقضيّة الجزائريّة والقضيّة المصريّة على الصعيد الإعلامي من جهة ، ومن جهة أخرى ما أحدثته العملية من اختراقٍ وإرباكٍ وإحراجٍ شديد في صفوف الجيش الفرنسي بألمانيا .. ما شكّل فضيحة كبرى لفرنسا في ذلك الوقت ... ومن زاوية أخرى هو ذلك الجزاء المخيف الذي كان ينتظره مع رفاقه في حال كشف الأمر ، وهو الإعدام – وفق الأعراف العسكرية المتعارف عليها عالميا - .. كلّ هذا هو ما جعل العمل الذي أقدم عليه هؤلاء الشباب عملاً بطوليّا بكلّ المقاييس ، وهو ما شهد به السفير المصريّ نفسه لهؤلاء الوطنيين المخلصين ، كما أنّ استمرار الخليّة في عملها التوعوي الوطنيّ طيلة مدّة الخدمة العسكرية في صفوف العدوّ هو شاهد آخر على إخلاص هؤلاء الرجال ووفائهم لوطنهم وانتمائهم.


كلمـــة أخيــــرة :

ما أسفتُ له حقّا هو أنّ كثيرا من الصور التي التقطها الحاج الشيخ لنفسه ولرفاقه في الغابة ، وداخل الثكنة أو في شوارع مدينة بون وكوبلونس وغيرهما .. كانت لتغني الموضوع وتثريه أكثر ورّبما سمحت للكثيرين بالتعرف على شخصيّاتٍ مُشَارِكَةٍ أخرى في العملية .. لو أنني فقط تمكنتُ من الحصول عليها .. إلاّ أنني لم أتمكّن من ذلك للأسف رغم اتصالاتي الحثيثة بمن يحوزونها ، وكلّ ما تمكنت من الحصول عليه هو صورتان فقط وجدتهما عند الحاج الشيخ ، في حين فُقِدَت باقي الصور في ظروف خاصّة.
كما أسفتُ أيضا لعدم معرفتي باللغة الألمانية ، وذلك لاحتمال المساعدة في الوصول إلى الجريدة الألمانية التي نشرت خبر اختراق الثكنة ، والحصول على تفاصيل أكثر حول الحادثة (عبر النت).
كما أضيف أنّ الوصول إلى بعض المعلومات كان ولا يزال صعبا ، وذلك لتباعد الزمن (60 سنة) وضعف ذاكرة الشاهد بخصوص التفاصيل والأسماء من جهة ، ومن جهة أخرى لشحّ المصادر المكتوبة أو تلك الموجودة على الشبكة العالمية ، أو وجود معلومات متضاربة أحيانا يصعب التأكّد من صدقيّتها (مثال ذلك : المعلومات المتعلّقة باسم السفير المصري في تلك الفترة والطاقم العامل معه خلال العدوان الثلاثي وبعيده .. وأمور أخرى ..) ، كما يجب عليّ الإعتراف بأنّ التخصّص يلعب دورا هامّا في بلورة المعلومات وترتيبها والتأكّد من صحّتها .. وهو ما بذلتُ فيه منتهى الجهد مع الإقرار بالتقصير الكبير.
هذه حلقة بسيطة في سلسلة طويلة من بطولات أبناء منطقة أولاد سيدي إبراهيم وإنجازاتهم ، وعلى أمل الإستفادة من توجيهات القرّاء وملاحظاتهم وإثراءاتهم وتصويباتهم ، نتمنّى أن نتمكّن من تسليط الأضواء على مزيد من الشخصيات التي لم تأخذ حقّها من العناية والمعالجة.


-------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: مقابلة شخصية مع الحاج الشيخ في شهر جانفي 2016م ببيته بعين خرمام.















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

شخصيات من أولاد سيدي إبراهيم : الحاج الشيخ بن الفضيل اجعيط ...عمــل استخباراتيّ شجــاع في ألمـــانيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
تسهيلاً لزوارنا الكرام يمكنكم الرد ومشاركتنا فى الموضوع  بإستخدام حسابكم على موقع التواصل الإجتماعى الفيس بوك

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ديزاد او اس بي الجزائر-احلى المنتديات :: خبار بــــــلادي :: منتدى المسيلة :: أولاد سيدي إبراهيم الغول :: أولاد سيدي ابراهيم الغول :تاريخ ,ثقافة وفن-

المواضـــــــيع المشابــــــهه

Powered by phpBB®www.dzosb.yoo7.com
Copyright©2008 -2017
AHLAMONTADA Enterprises.
كل ما ينشر يعبر عن رأي صاحبه فقط و لا يعبر عن رأي الإدارة ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك.
Loading...



|منتديات ا س ا الجزائر |
إضغط على متابعة ليصلك جديدنا

أفضل الكلمات الدليلية الموسومة
1#وسم_الأعضاء
2#جوراسيك
3#وسم_الكلمات
4#‎non_au_gaz_de_schiste
5#صينية
6#‏كلنا_عين_صالح
7#هندي
8#‎rt
9#war_story_2014